أخبار
 
بيلوغرافيا
سيرة قلمية
نصوص
اصدارات
شهادات في التجربة
أقواس قزح
دراسات
مقابلات
مقالات
صور
سجل الضيوف
العنوان
مواقع اخرى
صوت
فديو
 
     
القصيدة اللاحقة | القصيدة السابقة طباعة القصيدة | الرجوع الى اصدارات | الرجوع

كولاج شعري (1): 
صعاليك حسن عجمي أيضاً (*)

 

يمضي الغروبُ سريعاً، في القطار العابر إلى ستوكهولم.. وأنا ما زلتُ أطقطقُ أصابعي وأيامي، في انتظارِ مَنْ تجلسُ جنبي، لتفتحَ حقيبتها وتريني صورةَ جان دمو، مضطجعاً على الساحلِ الأسترالي، يقرأُ "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه"...
بينما مفتّشُ الحدودِ يحدّقُ في وجهي ليرى تقاسيمَ  "النفط مقابل الغذاء"، 
و"الأرض مقابل السلام".. 
أو...
"كلُّ شيء من أجل المعركة".. 
و"يا ليل، يا عين"..
وأنا أتأرجحُ؛ بينهمُ، في مطارات العالم 
مشرداً، بلا وطن ولا حبوب نوم
وحدهُ كزار حنتوش بأيامه الناحلة، يقعي على بيضةِ أحلامه، وينتظرُ أن تفقّسَ عن قطارٍ ينقلهُ إلى بودابست، أو ديكٍ يبيعهُ في "سوقِ الغزل"، أو قصيدةٍ في مديحِ الخراب..
واكتفى حسن النوّاب بشرب "بُطْل عَرْق" مغشوشٍ، لوحده، احتفاءً بغيابنا المبكّرِ. ساحلاً وراءَهُ خمسَ مُعَدٍ فارغةٍ ووطناً من دبابيس..
ما الذي تأكلُ الشعوبُ المحاصرةُ - أثناءَ المجاعاتِ - غيرَ خطبِ قادتها..

 

 

تزحفُ أعمدةُ الكهرباءِ ورائي، مديرةً ظهرها 
والمدينةُ تزحفُ أيضاً، 
ومديريةُ الأمن،
والنصوصُ
والشتائمُ، 
وأغاني وحيدة خليل:
"ماني صحت يمه أحا جاوين أهلنه
جاوين أهلنه..
جاوين"

 

 

أين أهلنا يا عبد الرزاق الربيعي؟ 
أين أهلنا؛ يا عيونَ المها،
يا فضل خلف جبر
يا حسن السوداني 
يا آخر المحطات وأول الجنون، يا كريم العامري، يا لوركا، يا كريم راهي، يا ميثم التمار، يا غانم حميد، يا حميد قاسم، يا قاسم حول، يا قاسم العكاشي، يا شارع الرشيد، يا أبا نؤاس، يا باب المعظّم، يا علي عبد الأمير، يا محمد مظلوم يا الجوراني يا الحمراني، يالماغوط، يا اليوت، يا مقداد عبد الرضا، يا مقداد رحيم، يا مسجد السهلة، يا عريان السيد خلف، يا مقهى الزهاوي، يا صلاح نيازي، يا قبر الحلاج، يا طارق الكاريزي، يا شلال كلي علي بك، يا سوق المتنبي، يا عبد الستار ناصر، يا علاء جمعة، يا علي السوداني، يا علي يا وجيه يا علي بدر، يا تمثال السياب، يا بحيرة الثرثار، يا بوابة عشتار، يا فوزي كريم، يا غريب اسكندر، يا كريم كاصد، يا كلكامش، يا غادة، يا ملاك، يا ملك، يا ريم، يا ايمان، يا فيء، يا اينانا، يا نجاة، يا انخيدوانا، يا أمل يا الشلاه يا الشفيع يا البريسم يا الوالي، يا الوائلي يا الخطيب يا التلّال يا البحراني يا الطويل يا زبيبة، يا الحصيري، يا الصائغ عبد الإله يا محمد يا أحمد يا وجدان يا صبري، يا كعك السيد، يا بو بلم عشاري، يا حسين حيدر الفحام، يا بلاسم محمد يا جسّام يا حازم، يا جابر بن حيان، يا أخوان الصفا، يا معابد الوركاء، يا محمد لقمان، يا ليث الناصري، يا صندوق أمين البصرة، يا أثير محمد شهاب، يا فنادق الحيدرخانة، يا زقورات أور، يا سيروان ياملكي، يا أسد بابل، يا جعفر طاعون، يا جعفر أبو التمن، يا خان مرجان، يا حسن البياتي، يا البردوني، يا عبد الخالق الركابي، يا الكسائي، يا سان جون بيرس، يا بورخس، يا سالم يووي، يا روفائيل البرتي، يا ملوية سامراء، يا عبد الوهاب البياتي، يا شناشيل بنت الجلبي، يا نازك يا بلند، يا قلعة كركوك، يا فاضل العزاوي، يا نصير شمة، يا حامد المالكي، يا أبا حنيفة، يا نصب الحرية، يا باسم قهار، يا محمود أبو العباس، يا عباس السلامي، يا عباس كاظم مراد، يا محمد عباس الدراحي، يا حسن ناظم، يا ناظم عودة، يا ناظم الغزالي، يا سعدي يوسف، يا نقرة السلمان، يا دير العاقول، يا ساعة القشلة، يا مدني صالح، يا جسر الكوفة، يا حسب الشيخ جعفر، يا أهوار الجبايش، يا الثور المجنّح، يا مكتبة المستنصرية، يا نواعير هيت، يا ابراهيم أحمد، يا صموئيل شمعون، يا أحمد الشيخ، يا بابَ الحوائج، يا...،

 

 

يا جواد الحطاب 
يا طالب عبد العزيز
يا سركون بولص
يا فليحة حسن
يا مرزاب الذهب
يا..، يا..، 
يا..

 

 

وما تبقى من الأصدقاءِ في مقهى حسن عجمي، اكتفوا بشربِ الشاي
وتبادلِ نصوصِنا المسرّبةِ..
وعلى الكراسي الفارغةِ التي تركناها منذ 1993 
سأجلسُ في انتظارِ شيخوختي، التي ستعودُ - ذاتَ يومٍ - على عكازين
أو دمعتين
ساخراً من كلِّ ما مضى
وما........ سيأتي
.................
يا وحيدة
يا وحيدة خليل
ما الذي بقيَ من هذا الوطن
بعد أن أفرغوه من العشبِ والثوراتِ والأغاني
قصائدهُ قاحلةٌ بعد أن خمدَ الجميعُ في بيوتهم، أو مقابرهم، وناموا..
شبابيكهُ صافنةٌ لا أثرَ فيها لصراخٍ أو نأمةٍ أو آهةٍ
أزهارهُ يائسةٌ في المحلاتِ
وساحاتهُ مقفرةٌ من المارةِ والعاهراتِ والصحف
يا وحيدة
وحيداً، أعلّقُ نهاري المبتلَّ على مسمارِ الحائطِ
وأجلسُ أمام المدفأةِ
أجفّفُ ثيابي وكآبتي، دونَ أنْ يطرفَ رمشي
أحتسي كوبي وأفكرُ بحياتي الأقل من زفرةِ قتيلٍ
والأطول من ليلِ أرملته
..............
........
"يالواشي عاد ارتاح
واضحك بالفراق
حسبالك اترجاك
ولحبك اشتاق"

 

 

يا أنوار عبد الوهاب
يا عباس سميسم
يا دنيا ميخائيل
هذه الأقدامُ لن تتركني أستريحُ على رصيفِ وطن
هذا القلمُ لن يجعلني أهدأُ يوماً على دفترٍ أو نهدٍ أو وسادةٍ
....
أتذكرهم في جنوبِ القطب:
علي الرماحي، حميد الزيدي، حسن مطلك، ضرغام هاشم، عبد الصاحب البرقعاوي، عبد الحيّ النفّاخ، حاكم محمد حسن، اسماعيل عيسى بكر، الكريمين: المرعبي والذبحاوي...
أيةُ دمعةٍ 
تركوها على شفاهنا المشقّقة، لا تسقطُ أو تجفُّ

 

 

أيةُ حياةٍ مرّةٍ..!
نلوكها باشتهاءٍ أجوفٍ،
بعدَ كلِّ حَسْوَةٍ أو قصيدةٍ.. 
أشعلُ شموعهم في ليلِ منفاي 
سائراً؛ والحنين ينبضُ بين ذراعيّ 
يستطيلُ شوارعَ تأخذني إلى هناك
مختنقاً بأجراسي المبلّلةِ كجيشٍ عائدٍ من الحربِ 
وعلى كتفيَّ الهزيلتين تعبرُ الأممُ والأكياسُ والطبول..

 

 

منحني الظهر بحقائبي الثقيلةِ، 
أرنو إلى الأثداءِ المندلعةِ من الثيابِ الضيقةِ
أضغطُ على الأردافِ المكوّرةِ في زحامِ الباصاتِ
وعرقي يغسلُ الأرصفةَ
أدخلُ البارَ
أدفعُ كآبتي عبرَ البابِ
كما يدفعُ النادلُ سكيراً لمْ يدفعْ حسابَهُ

 

 

أحلامي بالشعرِ تخنقها الشعاراتُ 
وأحلامي بالبحرِ يأكلها الصيادون 
وأحلامي بالثورة تصادرها الأحزاب

 

 

"ماني صحت يمه أحا جاوين أهلنه
ولف الجهل بالدار، وابعد ضعنه"

 

 

ما منْ شظيةٍ لمْ تمرّ بأضلاعي
ما منْ حجرٍ أو كتابٍ 
لمْ أمسحْ غبارَهُ بسعالي 
ما منْ زنزانةٍ لمْ تدلقْ فضلاتها على ثيابي وذاكرتي
ما منْ ثورةٍ مهزومةٍ 
إلاّ وعلى راياتها المنكّسةِ بعضٌ من دمي ورمادِ حروفي
....

 

 

أصغي لخرخشةِ أوراقِ القصائدِ في جيوبي
وأبتسمُ أمامَ المتسوّلِ
منذُ عقودٍ لمْ أكتبْ عن عِقْدٍ أو وردةٍ
لمْ ألعقْ نهداً بلساني
لمْ أشمّ رائحةَ نهرٍ بين ثيابي 
"حمّلتوا يا أهلي بليل والولف غافي
أسهر وخلة ينام نوم العوافي"

 

 

أيُّ وطنٍ! - يا إلهي - هذا الذي يطفو على النفطِ والمجاعات.. 
وعلى الحضارات والانقلاباتِ!
أيُّ وطنٍ؛ لمْ نرَ منه سوى السياطِ والصفّارات!!
ومع هذا.. 
ما منْ مقصلةٍ، تمنعني من أن أحتضنَ نخيلَه وأنام
ما منْ مجنـزرةٍ، تمنعني من التمرّغِ على عشبه الناحل 
ما منْ مخبرٍ، يمنعني من البكاءِ على صدرِ أمي المتغضّن
ما منْ رقيبٍ، 
يمنعني من تدوين عويلي.. 
ما دام في جيبي ورقٌ 
وحبرٌ 
وأرصفة

 

2/4/2001 مالمو

____________________

(*) العنوان تنويع على مجموعة الصديق الشاعر عبد الخالق كيطان "صعاليك بغداد". 



القصيدة اللاحقة | القصيدة السابقة طباعة القصيدة | الرجوع الى اصدارات | الرجوع
 

البحث Google Custom Search